حبيب الله الهاشمي الخوئي

237

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( وكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون ) إمّا استعارة بالكناية تشبيها للأرض بالاكل واثبات الاكل تخييلا ، أو استعارة تبعيّة كما في نطقت الحال بكذا تشبيها لا فناء الأرض لأجزاء الميّت واستحالتها لها بالتراب بأكلها لها ، فاستعير الأكل للافناء ودلّ على الاستعارة بذكر الأرض ، والمعني أفنت الأرض وأبلت كثيرا كثيرا من ميّت طرىّ البدن معجب اللون لصفائه وبياضه واشراقه . ( كان في الدّنيا غذّى ترف وربيب شرف ) أي غذّى وتنعّم بالتّنعّم الموجب لبطره وطغيانه ، وربّي في عزّ وشرف ومنعة . ( يتعلَّل بالسرور في ساعة حزنه ) أي يتشاغل بما يسرّه ويتلهّى به عما يحزنه ( ويفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به ) أي يلتجى إلى ما يسلى همّه وينسيه إن أصابته مصيبة ( ضنّا بغضارة عيشه ) أي لأجل بخله بسعة عيشه وطيبه ( وشحاحة ) وبخالة ( بلهوه ولعبه ) حتّى لا يشوب لهما ما يكدّرهما . ( فبينا هو يضحك إلى الدّنيا ) ابتهاجا بها وشعفا بحبّها لجريانها على وفق مراده وتهيئتها لمقدّمات عيشه ونشاطه ( وتضحك الدّنيا إليه ) ابتهاجا به لكونه من أبنائها والرّاغبين إليها وفرط محبّتها إيّاه ، وحاصله تضاحك كلّ منهما واشتياقه إلى الاخر لمزيد المحابة والمعافاة بينهما ( في ظلّ عيش غفول ) أي في دعة وراحة وسعة عيش متّصف بكثرة الغفلة . والمراد غفلة صاحبه به كما في عيشة راضية ، وقال الشارح المعتزلي : عيش غفول قد غفل عن صاحبه ، فهو مستغرق في العيش لم يتنبّه له الدّهر فيكدر عليه وقته قال الشّاعر : كأنّ المرء في غفلات عيش كأنّ الدّهر عنها في وثاق - انتهى ولعلّ ما قلته أولى ودلالة الشعر عليه أظهر ( إذ وطيء الدّهر به حسكه ) أي أوطاه حسكه أي أنشب شوكه فيه واستعار الحسك لالام الدّهر وأسقامه وحوادثه الموجبة لأذاه كايجاب الحسك للأذى ( ونقضت الأيّام قواه ) نسبة النّقض إلى الأيّام من التوسّع والمراد به انحلال قواه النفسانيّة وضعف جوارحه ( ونظرت إليه الحتوف من كثب )